الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

204

نفحات الولاية

ذلك أن بعضهم قد خان رسول الله صلى الله عليه وآله وجيش المسلمين ، وقد تابوا بعد أن افتضح أمرهم ؛ كحاطب بن أبي بلتعة وأبي لبابة ، وقصتهم معروفة ، وعمود التوبة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله شاهد حي على هذه الحقيقة . وفيهم من اعترض على رسول الله صلى الله عليه وآله في حكم الزكاة ، والمال ومنهم من عاهد الله بالانفاق أن آتاهم من فضله ومنهم ثعلبة بن حاطب الأنصاري الذي وردت قصته في الآيات 75 - 77 من سورة التوبة . وفيهم من تخلف عن غزوة تبوك وتمرد على أوامر رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد وردت قصتهم في ذيل الآية 118 من سورة التوبة . وفيهم الحِواسيس الذين وصفتهم الآية 47 من سورة التوبة : « وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ » . وفيهم من بنى مسجد ضرار بهدف ايجاد الفرقة والاختلاف بين صفوف المؤمنين ، وقد وردت قصتهم في الآيات 107 - 110 من سورة التوبة . وفيهم من سار على الصراط على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ثم انقلبوا بعده فاثاروا الفتن واشعلوا نيران الحروب وسفكوا دماء المسلمين ، كطلحة والزبير الذين أججا نار الجمل وخرجا على إمام المسلمين ، ومعاوية الذي آثار الفتن ومنها فتنة صفين . وعليه يبدو من السذاجة أن نتغاضى عن هذه الحقائق والوقائع التأريخية وصريح الآيات القرآنية ، لنعتبر الصحابة منزهين جميعاً يتصفون بالطهر والعفاف والورع والتقوى . وبناءاً على ما تقدم فان أمير المؤمنين علي عليه السلام إذا مدح الصحابة وأثنى عليهم - في هذه الخطبة أو سائر الخطب - فالمفروغ منه أن مراده خاصة صحب رسول الله صلى الله عليه وآله لا جميعهم . وهم ثلة معدودة من صحابه كانت تقتفي آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وتلتحق به في كافة المعارك والغزوات ، حتى استشهد أغلبهم على عهده صلى الله عليه وآله . على كل حال فانّ هذه الثلة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله التي انطوت على أعظم دروس العبودية والاستقامة والصمود والتضحية في سبيل الله والإسلام ، وتعلمتها من معلم البشرية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله لجديرة بان تكون قدوة للمسلمين في كل عصر وزمان . وهم الذين قال قيهم المؤرخون أنّهم كانوا يتلون لبعضهم البعض الآخر سورة العصر حين